ابو جعفر محمد جواد الخراساني
52
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
بل الحدوث واجد المزيّة * صغراه كالكبرى بدت جليّة يفي بالأجزاء وبالكلّ معا * وليس الإمكان جليّا جامعا [ لا مزية لطريق الحكيم على غيره ] فتحصّل : أنّ طريقة الحكيم ، لا مزيّة لها على غيرها ، ولا الاستدلال فيها استدلال من العلّة . نعم ، قد يوجّه العلّة بناء على أصلهم الفاسد من اصالة الوجود ووحدته الحقيقيّة ؛ فحقيقة الوجود عندهم ، ليس إلّا واحدا ، وهو اللّه ؛ فهو العلّة للماهيّات الاعتباريّة والحادثات الإمكانيّة . فعلى طريقة الحكماء ، حيث كان النّظر إلى الوجود ، وهو في الواقع واحد وعلّة كلّ موجود ، فالاستدلال بحسب الواقع ولبّ الأمر ، استدلال من العلّة ، وإن كان في الظاهر تقسيم إلى الواجب والممكن . ولكن هذا التوجيه أيضا مضافا إلى فساد أصله غير وجيه ، لعدم موافقته : أوّلا : لما قرّروا من دليلهم ؛ فإنّ الدليل الّذي قرّروه ، ظاهر في الاستناد إلى الممكن وجعله مستلزما للواجب لا إلى الوجود ، ومحض كونه لبّا هو الأصل ، لا يوجب كونه هو الأصل في الدليل أيضا ، مع كونه مغفولا فيه . وثانيا : لو تمّ هذا الوجه وصحّ في نفسه ، فلا اختصاص له أيضا بالحكيم ؛ إذ للمتكلّم ان يقول بمثله أيضا وان كان يستدلّ بالحدوث فإنّه كما عرفت ، لا ينفكّ عن تقسيم الوجود ، والأصل المذكور أصل مسلكيّ يسلكه الحكيم والمتكلّم معا . [ مزايا برهان الحدوث برهان الإن على برهان الامكان ] وإذا تبيّن لك عدم مزيّة لطريقة الحكيم على طريقة المتكلّم ، فاسمع الآن لمزيّة طريقة المتكلّم عليها ؛ كما قلت : بل الحدوث والاستدلال به في طريقة المتكلّمين واجد المزيّة من جهات : [ الأولى : بداهة برهان الحدوث وعدم بداهة برهان الامكان ] أوليها : أن صغراه كالكبرى بدت جليّة ؛ اي ظاهرة بديهيّة ، وهي من المزيّات البرهانيّة ؛ فانّ البرهان ، كلّما كانت صغراه وكبراه اجلى ، كان البرهان ابهى وأعلى ، وبرهان الحدوث كذلك بكلتا مقدّمتيه ؛ فإنّ صغراه : « أنّ الأشياء حادثة » ، وهي وجدانيّة ظاهرة ، وكبراه : « وهي كلّ حادث يحتاج إلى المحدث » ، أيضا وجدانيّة لا خفاء فيه . وامّا برهان الإمكان ، فليس كذلك ؛ فانّ صغراه : « وهي انّ الأشياء ممكنة » ، غير ظاهرة ، بل تحتاج إلى الأثبات والبيان وكذا كبراه : « وهي كلّ ممكن محتاج إلى الموجد » فهي أيضا غير ظاهرة كظهور كلّ حادث يحتاج إلى المحدث .